وقف «الحسين بن على» أمام باب خيمته فى كربلاء، وحيداً بعد أن انفض
الناس من حوله قبل سويعات من استشهاده، وقال عبارته الشهيرة: «الناس عبيد
الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا
بالبلاء قل الديّانون»، إنها العبارة التى لخصت فلسفة الثائر النبيل عندما
خرج ليواجه خطر التحول من حكم الخلافة الراشدة الذى أقام الدنيا على قيم
الدين، إلى حكم الملك العضوض (الوراثى) الذى يقفز على قيم الدين من أجل
الحصول على مغانم دنيوية. انتهى الأمر بالحسين إلى أن يقف وحيداً غريباً
فوق أرض لا يعرفها ليدفع حياته ثمناً لإيمانه بقضيته، ليتحول بعدها إلى
«أيقونة» استدعاها العديد من الكتاب، ومنهم الراحل عبدالرحمن الشرقاوى صاحب
«الحسين ثائراً وشهيدا»، والراحل عباس محمود العقاد صاحب «الحسين
أبوالشهداء» وغيرهما، حين أرادوا التعبير عن المعنى النبيل للتضحية من أجل
المبدأ.
(الحسن يتنازل.. ومعاوية يعتلى الخلافة)
بعد مقتل رابع الخلفاء الراشدين على بن أبى طالب على يد «عبدالرحمن بن ملجم»، اجتمع أصحاب على ومناصروه حول ابنه الحسن ليواصلوا -تحت خلافته- حربه ضد معاوية، لكن الحسن أبى أن يراق المزيد من دماء المسلمين، فكان أن اتفق مع معاوية على أن يتنازل له عن الخلافة وأن يئول الأمر إليه بعد ذلك، حال وفاة معاوية. ويشير ابن قتيبة إلى أن الحسن كان يقول لمن يلومه على ذلك: «أشهد الله وإياكم أنى لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، فارضوا بقضاء الله، كان أبى يحدثنى أن معاوية سيلى الأمر، فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر، إن الله لا معقب لحكمه، فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلىّ من أن تعزوا وتقتلوا».
وفى تقديرى أن محاولات المؤرخين تبرير تنازل الحسن عن الخلافة بسيطرة النظرة القدرية على رؤيته للأمور، وأن الحكم كان سيصل إلى معاوية شاء أم أبى، لا يعكس سوى سعى دؤوب من جانبهم إلى ترسيخ النظرة القدرية إلى الحكم من أجل تحريم الثورة عليه. فليس من المنطقى أن نقبل هذه الرواية فى الوقت الذى يشهد فيه التاريخ أن علياً خاض حرباً ضروساً ضد معاوية، وكان يدبر لإعادة الكرة عليه لولا سقوطه شهيداً. كما أنه من غير المعقول أن يرى حفيد النبى صلى الله عليه وسلم ذلك الرأى العابث الذى يقول: إن «الحياة مع الذل خير من القتل مع العزة»!
الأحوط أن نقرر أن هناك أسباباً عديدة وجيهة دعت الحسن إلى التنازل عن الخلافة؛ أولها: خذلان من حوله له، وثانيها: رغبته الصادقة فى حقن دماء المسلمين، وثالثها: الارتكان إلى قاعدة «الزمن كجزء من العلاج»، لكن روح الحسين الثائرة أبت هذا الرأى، حين قارنت بين طبيعة الحكم فى عهد الراشدين التى استندت فى الأساس إلى أحكام الدين، والتحول الانقلابى الذى يمكن أن يحدث فى نظام الحكم إذا آل الأمر إلى «معاوية وأهله»، حيث سيصبح لقوانين الدنيا وألاعيب السياسة وسيوف القهر الكلمة العليا فى الأمر. وقد صدقت رؤية الحسين للأمر، فسرعان ما مات الحسن بن على مسموماً (عام 49 هـ)، أى بعد ثمانى سنوات من خلافة معاوية (عام 41 هـ)، وكانت الشيخوخة قد بدأت تدب فى الخليفة، وبدأ يتبنى فكرة توريث الحكم من بعده إلى ولده «يزيد بن معاوية»
(الحسن يتنازل.. ومعاوية يعتلى الخلافة)
بعد مقتل رابع الخلفاء الراشدين على بن أبى طالب على يد «عبدالرحمن بن ملجم»، اجتمع أصحاب على ومناصروه حول ابنه الحسن ليواصلوا -تحت خلافته- حربه ضد معاوية، لكن الحسن أبى أن يراق المزيد من دماء المسلمين، فكان أن اتفق مع معاوية على أن يتنازل له عن الخلافة وأن يئول الأمر إليه بعد ذلك، حال وفاة معاوية. ويشير ابن قتيبة إلى أن الحسن كان يقول لمن يلومه على ذلك: «أشهد الله وإياكم أنى لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، فارضوا بقضاء الله، كان أبى يحدثنى أن معاوية سيلى الأمر، فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر ما شككت أنه سيظهر، إن الله لا معقب لحكمه، فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلىّ من أن تعزوا وتقتلوا».
وفى تقديرى أن محاولات المؤرخين تبرير تنازل الحسن عن الخلافة بسيطرة النظرة القدرية على رؤيته للأمور، وأن الحكم كان سيصل إلى معاوية شاء أم أبى، لا يعكس سوى سعى دؤوب من جانبهم إلى ترسيخ النظرة القدرية إلى الحكم من أجل تحريم الثورة عليه. فليس من المنطقى أن نقبل هذه الرواية فى الوقت الذى يشهد فيه التاريخ أن علياً خاض حرباً ضروساً ضد معاوية، وكان يدبر لإعادة الكرة عليه لولا سقوطه شهيداً. كما أنه من غير المعقول أن يرى حفيد النبى صلى الله عليه وسلم ذلك الرأى العابث الذى يقول: إن «الحياة مع الذل خير من القتل مع العزة»!
الأحوط أن نقرر أن هناك أسباباً عديدة وجيهة دعت الحسن إلى التنازل عن الخلافة؛ أولها: خذلان من حوله له، وثانيها: رغبته الصادقة فى حقن دماء المسلمين، وثالثها: الارتكان إلى قاعدة «الزمن كجزء من العلاج»، لكن روح الحسين الثائرة أبت هذا الرأى، حين قارنت بين طبيعة الحكم فى عهد الراشدين التى استندت فى الأساس إلى أحكام الدين، والتحول الانقلابى الذى يمكن أن يحدث فى نظام الحكم إذا آل الأمر إلى «معاوية وأهله»، حيث سيصبح لقوانين الدنيا وألاعيب السياسة وسيوف القهر الكلمة العليا فى الأمر. وقد صدقت رؤية الحسين للأمر، فسرعان ما مات الحسن بن على مسموماً (عام 49 هـ)، أى بعد ثمانى سنوات من خلافة معاوية (عام 41 هـ)، وكانت الشيخوخة قد بدأت تدب فى الخليفة، وبدأ يتبنى فكرة توريث الحكم من بعده إلى ولده «يزيد بن معاوية»
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق